عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

6

اللباب في علوم الكتاب

لأنّه لو لم يكن كذلك ، كان المذكور الثاني غير الأول ، وهذا غير واضح ؛ لأنّ الألف كقوله : فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [ الشرح : 5 ، 6 ] . فقال أبو البقاء « 1 » : « ليس المراد تعظيم القتال المذكور المسؤول عنه ، حتى يعاد بالألف واللام ، بل المراد تعظيم أيّ قتال كان ، فعلى هذا « قتال » الثاني غير الأول ، وهذا غير واضح ؛ لأنّ الألف واللام في الاسم السّابق المعاد أولا لا تفيد تعظيما ، بل إنما تفيد العهد في الاسم السابق . وأحسن منه قول بعضهم : إنّ الثّاني غير الأول ، وذلك أنّ سؤالهم عن قتال عبد اللّه جحش ، وكان لنصرة الإسلام وخذلان الكفر ؛ فليس من الكبائر ، بل الذي من الكبائر قتال غير هذا ، وهو ما كان فيه إذلال الإسلام ، ونصرة الكفر ، فاختير التنكير في هذين اللفظين ؛ لهذه الدقيقة ، ولو جيء بهما معرفتين ، أو بأحدهما معرّفا ، لبطلت هذه الفائدة . فصل [ في سبب نزول الآية ] روى أكثر المفسرين عن ابن عباس : سبب نزول هذه الآية أن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - بعث عبد اللّه بن جحش الأسديّ ، وهو ابن عمّته قبل قتال بدر بشهرين على رأس سبعة شهرا من الهجرة وبعث معه ثمانية رهط ، من المهاجرين ؛ سعد بن أبي وقّاص الزهري وعكاشة بن محصن الأسدي ، وعتبة بن غزوان السّلمي ، وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة ، وسهيل ابن بيضاء ، وعامر بن ربيعة ، وواقد بن عبد اللّه الحنظليّ ، وخالد بن بكير ، وكتب معهم لأميرهم عبد اللّه بن جحش كتابا وعهدا ، ودفعه إليه ، وقال : سر على اسم اللّه ، ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين ، فإذا نزلت ، فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك ، ثمّ امض إلى ما أمرتك ، ولا تستكرهنّ أحدا من أصحابك على السّير معك ، فسار عبد اللّه يومين ، ثم نزل وفتح الكتاب ، وإذا فيه « بسم اللّه الرّحمن الرّحيم » أمّا بعد : فسر على بركة اللّه بمن معك من أصحابك ؛ حتّى تنزل بطن نخلة « 2 » ، فترصد بها عير قريش ؛ لعلك تأتينا منهم بخبر ، فلمّا نظر في الكتاب ، قال سمعا وطاعة ، ثم قال لأصحابه ذلك ، وقال : إنّه نهاني أن أستكره أحدا منكم ؛ فمن كان يريد الشهادة ، فلينطلق معي ، ومن كره ، فليرجع ، ثم مضى ، ومضى معه أصحابه ، لم يتخلّف عنه منهم أحد ، حتى كان بمعدن فوق الفرع يقال له نجران ، أضلّ سعد بن أبي وقّاص ، وعتبة بن غزوان بعيرا لهما ، كانا يعتقبانه ؛ فتخلفا عليه في طلبه ومضى ببقية أصحابه ، حتى نزل « ببطن نخلة » بين « مكّة » و « الطائف » فبينما هم

--> ( 1 ) ينظر : الإملاء 1 / 92 . ( 2 ) قرية قريبة من المدينة على طريق البصرة ينظر معجم البلدان 1 / 533 .